المناوي
387
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
أقام عشرين سنة لا يعلم به أهله . وكان إذا حضرته الرّقّة يحوّل وجهه إلى الحائط ويقول لجلسائه : هذا الزّكام . وإذا نظر إلى أهل السّوق قال : ما أغفل هؤلاء عمّا أعدّ لهم . ومن كلامه : إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرّة تكن من أهله . وقال : حديث أرقّق به قلبي وأتبلّغ به إلى ربّي ، أحبّ إليّ من خمسين قضية من قضايا شريح . وكان سفيان يأتي إليه ينظر « 1 » يحتسب ذلك . ولمّا احتضر بكى ، فقيل له : علام تبكي من الدّنيا ؟ فقد كنت منغّص « 2 » العيش أيّام حياتك ، فقال : إنّما أبكي خوفا أن أحرم خير الآخرة . وكان إن لم تجده في بيته أو المسجد وجدته « 3 » في المقبرة قاعدا ينوح على نفسه . فلمّا مات أغلق أهل الكوفة أبوابهم ، وخرجوا لجنازته ، فلمّا أخرجوه سمعوا صائحا يصيح : قد جاء المحسن عمرو بن قيس ، فإذا البرّيّة مملوءة من طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها ، فجعل النّاس يعجبون من حسنها وكثرتها ، فقال أبو حيّان : من أيّ شيء تعجبون ؟ هذه الملائكة جاءت تشهده . فامتلأت الصّحراء برجال عليهم ثياب بيض ، فلمّا دفن لم يروا في الصّحراء أحدا « 4 » رضي اللّه تعالى عنه .
--> - مناقب الأخيار 306 / ب ، تهذيب الكمال 22 / 200 ، سير أعلام النبلاء 6 / 250 ، تاريخ الإسلام 6 / 110 ، ميزان الاعتدال 3 / 284 ، تهذيب التهذيب 8 / 92 . ( 1 ) في المطبوع : ينظره ، وفي الحلية 5 / 103 : ينظر إليه لا يكاد يصرف بصره عنه ، أظنه يحتسب ذلك . ( 2 ) كذا في الأصول ، وفي صفة الصفوة 3 / 125 : تبغض . ( 3 ) في ( أ ) : تجده . ( 4 ) جمع المؤلف رحمه اللّه بين خبرين ، الأول عن سفيان الثوري ، وهو ينتهي عند قوله : جاءت تشهده ، والثاني عن أبي خالد الأحمر من قوله فامتلأت الصحراء . انظر حلية -